الرئيسية / المقالات / التأريخ .. نبش الإنسان في ماضيه بحثا عن ضالته

التأريخ .. نبش الإنسان في ماضيه بحثا عن ضالته

يوسف عبد الرحيم *    

يقول ابن خلدون :” التأريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم. وهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكّبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرد النقل .. فربما لم يُؤمَن فيها من العثور ومزلة القدَم والحَيَد عن جادة الصدق”. لقد ظل التاريخ على قِدمه علماً مشكوكاً في علميته وسرداً مشكوكاً في صحته وأحداثاً مشكوكاً في صحتها، وهو مع كل ذلك يسير ويتطور ولا تستغني عنه الأمم في جميع مراحلها. ومن هنا فإن السؤال الذي يراودنا دائماً: من أين حصل التاريخ على هذا البريق؟ ولماذا يبقى الإنسان ينبش الماضي ويبحث فيه عن ضالته التي لا يجدها؟

إن الفلسفة التي تقف خلف بحث الإنسان الدائم عن معرفة الماضي لا يمكن أن تعود فقط إلى حب الاستطلاع والفضول الذي يتميز به الإنسان عن غيره بل لا بد من سبب آخر أكثر عمقاً وأقدر على تفسير الظاهرة، لقد قال المؤرخون “إن الإنسان واعٍ بالعيش في التاريخ ولا يكتفي بالخضوع للزمن وكأنه قدر محتوم فماهية الإنسان هي وعيه بالتاريخ” فالإنسان ليس ابن اللحظة الراهنة فقط بل هو ابن الزمن الممتد ولا يتحقق وجوده إلا لكونه متصلا مع الماضي وأي انقطاع يسبب له الضعف والتقهقر، ولذا فإن الأمم تسعى دائما إلى كتابة تاريخها والتغني به، وإذا لم يكن لديها تاريخ فإنها تصنعه لإثبات حق أو نفي شبهة أو تعميق وجود.

وإذا كان الإنسان متعطشاً في حاضره لمعرفة ماضيه فإن ذلك يقودنا إلى التساؤل حول صدق التأريخ بوصفه عملية نقل لما حدث، لأن ما حدث لا يمكن معرفته على الوجه الذي كان عليه تماماً، فليس هناك تطابق بين الماضي ومعرفة الإنسان له، فالتطابق مرهون بما يتوافر للمؤرخ من وثائق وشواهد وقدرة على الإلمام بالماضي وسبر أغواره على أن التطابق التام صعبا جداً إن لم يكن مستحيلاً. وهو بوصفه عملية تقريب بين ما حدث في الماضي والماضي ذاته فإنه يصبح عملية معقدة غير قابلة للقياس والموضوعية، لأن الحدث التاريخي عندما يتحول إلى عملية تأريخ فإنه يكون للمؤرخ عندئذ دور ذو أهمية بالغة فيه، إذ لم يعد الحدث موجوداً للحكم عليه، بل تصبح رؤية المؤرخ هي القراءة الجديدة المتوافرة، فهل لدى المؤرخ القدرة على الانفكاك من ذاتيته وعواطفه وأحاسيسه ليدرس الماضي دراسة موضوعية؟ وما هي العِلمية التي يجب على المؤرخ أن يتقيد بها عند دراسة الماضي؟ هل هو العلم كما يفهمه علماء الطبيعة، وذلك باستنتاج الوقائع والأحداث من علاقات حتمية علمية وقوانين موضوعية؟ فحتى العلوم الطبيعية لا تؤمن بوجود تفسير شامل وكامل ونهائي للظواهر الطبيعية، وكما يقول (كارل بوبر) : “إن أي حقيقة علمية ليست حقيقة لأن التجربة أثبتتها بل لأننا لم نتوصل بعد إلى إثبات عكسها”، وإذا كان الأمر كذلك فهل مهمة المؤرخ تنحصر في سرد الأحداث ووصف الوقائع؟ ومن ثم تنتفي عن التأريخ صفة العلمية التي تقتضي التقنين والموضوعية، ويتحول إلى عمل سردي لا يتميز كثيراً عن الأدب. وإذا كانت أحداث التاريخ لا تتكرر بالمعنى العلمي للظواهر الفيزيائية والكيميائية فإن المؤرخ لا يستطيع وضع نظرية يطبقها على كل الأحداث المتشابهة؛ لأن أي حدثين مهما كانت أوجه التشابه بينهما كبيرة سيبقى هناك اختلاف حتى لو كان قليلاً، وحتى لو اتفق المؤرخون على مضامين أحداث معينة ونتائجها فهم ليسوا قادرين على التنبؤ بالحدث المتوقع في المستقبل، كما هو الحال عند علماء الفلك مثلاً حين يتمكنون من تحديد زمن كسوف الشمس قبل حدوثه، لأن قوانينهم منطقية ومبنية على سبب ونتيجة، وهذا غير متوافر لعلماء التاريخ. ورغم ذلك كله فإن المؤرخ مطالب بأن تكون صناعته علمية ومنهجية، وعليه أن يتجرد من ميوله ونزعاته ورغباته، وقد أثبتت التجارب أن كثيراً من المؤرخين – رغم ادعائهم الالتزام بالموضوعية – عجزوا عن الانسلاخ من بيئاتهم وقاموا دون أن يشعروا بإسقاط أفكار حاضرهم على الماضي، ولو قدر للمؤرخ أن يعكف على دراسة الحاضر فهل بإمكانه بلوغ الحقيقة؟ وله ما له من ذلك الكم الهائل من الوثائق والإحصاءات والمعلومات والصور والتقارير التي بإمكانه الحصول عليها من الفاعلين الذين صنعوا الحدث. فهل سيعطينا الحقيقة بعلمية وموضوعية أم أنه سيتحول إلى صحافي جيد لا غير؟

وإذا كانت علمية التأريخ مستحيلة التحقق فإن ذلك يدعو إلى النظر في الهدف منه، ومدى جدواه وفائدته للحاضر. ومن هنا نرى أنه ليس مطلوباً من المؤرخ أن يكون علمياً وموضوعياً لأن ذلك صعب التحقق ولكن المطلوب منه أن يكون على مستوى الحدث من حيث القدرة على القراءة والنقد والتحليل وإعادة الإنتاج، فالعملية التأريخية كما قال ابن خلدون ليست نقلا محايداً، وكل قراءة في التاريخ هي إعادة إنتاجه ليخدم الحاضر، فالمؤرخ الجيد ليس محايداً بالمعنى العلمي المطبق في العلوم الطبيعية، بل هو مشارك في صناعة الحدث القادم من خلال استنفار القوى المحركة في الحدث الماضي، وإذا كان الإنسان ابن الحلقات المتصلة في الزمن كما قلنا سابقاً فإن ذلك يعني أن على المؤرخ البحث عن حلقة الاتصال التي تربط الحاضر بالماضي ليكون فاعلاً ومؤثراً، وإلا فما الفائدة من نقل الأحداث، كما صنع كثير من المؤرخين العرب كالمسعودي والطبري وابن كثير، فالتاريخ لم تعد أهميته تكمن في معرفة أخبار المدائن والدول والممالك والحروب والغزوات والانتصارات والهزائم، بل هو بحث دائم عن النص الغائب في كل حدث من خلال المقارنات والمقاربات، ثم إعادة إنتاج النص الغائب بما يوقظ الحاضر ويجعله قادراً على التأثير، وليكون محفزاً للواقع فيحرره من وهمه ويدفعه إلى الأمام.

إن مهمة الحدث للمؤرخ ليست في معرفته حقيقته وليست في معرفة صادقه من كاذبه، بل هي في استدعائه للمساعدة في اللحظة المناسبة ليصنع منه نصاً جديداً قادراً على التفاعل مع الواقع، ومن ثم ليكون الماضي مؤثراً في الحاضر.

*باحث وأكاديمي عراقي

شاهد أيضاً

القِيَم في حياة أبنائنا

نوره العلي: ماهو أثر زرع معنى السلام والإحترام في نفوس أبنائنا ؟! أكثر مايشغل ذهن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

x
تطبيق اونلاين تهامة القنفذة
تهامة القنفذة
حمل التطبيق من المتجر الان

الآراء  بدعم المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع