مجرد حلم

محمد الزحيمي


لطالما أصر صديق لي بأن يصحبني في زيارة لبلاده ألتي طالما أسهب في العالم لحديث عن تعليمها، وصحتها ،وشوارعها ،وأنظمتها، وكأنني حين إستماعي له أشاهد فلم( القادمون من الغد )… ..
وفي كل مرة كنت اتملص بحجج واهية وأعذار زائفة لقناعتي بأن وصفه لايغدو كونه غزل محب ،دافعه في ذلك حبه لوطنه المعهود. ..
هذه المرة تكسرت كل حججي ألواهية على صخرة إصرار صديقي ورغبته في إصطحابي ….
إنطلقنا في رحلة إلى ماوراء المجهول لا أعرف للرحالةوجهة ولا زمنا متسمرا على مقعدا في أخر الطائرة، مضرب عن الطعام والشراب .
وبعد برهة أصبح من تحتنا السحاب، وبدأ لي كل شيئ من حولي ساكنا إلا تعابير وجه صديقي الفرح …
أخذت أرمقه بنظرات ملأها… السخريةكلما اعتلت وجهه تلك البشاشة المفرطة حين يتحدث إلي. .
أخذت أسأئل نفسي. ..مالذي يخفيه لي صديقي؟ مالذي ساجده بأرضه الموعودة وليس لدينا ؟
تسلل اليأس إلى خلجي كلما تذكرت أنه وإن كان صديقي إلا إنه وافد يعمل لدي. .قطع بحرا من ورائه أبحر وافترش الغربة بضع سنين من أجل حفنة من الريالات ليسكت بها جوع أفراخه القاطنين برابية العالم المنسي لاماء ولا شجر. ..
يالله أننا حتما ذاهبون للمجهول!
ظننت لبرهة أننا في طريقنا إلى جزر الواق واق أو خليج برمودا المشؤم. .
ذهبت مخيلتي بعيدا حين إستحضرت عينيي كرستوفر كولمبوس واقفا على سارية سانتا ماريا في رحلته المشهورة للمجهول …وأستحضرت معهما أذنيي صوت بيانو فينجالس وهو يصدح برائعة الألفية (فتح الفردوس )
إنقطع حبل أفكاري على صوت كبتن الرحلة وهو يطلب منا ملازمة أماكننا استعدادا للهبوط. …نظرت لساعتي فإذا بعقاربها في منتصف الدورة الرابعة. …حتما ليست الواق واق. …
حاولت الوقوف والتاهب لمغادرة الطائرة، أشار لي صديقي بالبقاء في مكاني. …لحظات وإذا بالكرسيين يتحركان بنا باتجاه رصيف كانت بانتظارنا أمامه مركبة شبه فضائية كتب عليها (تاكسي )…صعدنا إلى المركبة. .إلتفت لصديقي وسألته هل هذا أحد ابناك جاء ليقلنا. ..تبسم بسمة فيها من السخرية. …لا !
إذا من طلب. .. قاطع حيرتي بقوله شركة التوصيل تعلم بموعد قدومي من خلال (التكت )…!!
حرصت على عدم إظهار ذهولي!
ولكن جوازاتنا لم ….قاطنعني مرة أخرى وهو يضحك هذه المرة. …كل شيئ هنا يتم بالمسح الضوائي ياصديق! إبتلعت ما تبقى في حلقي من هواء وبصوت المبهور ..ولكن كيف؟
أمسك بيدي وقال لأنه لايوجد في لغتنا. .أكبر وأعظم وأوسع. ..واكذب!
حاولت تغير مسار الحديث عن المطار نقطة قوته ونقطة ضعفي. …
سألته إلى أين تأخذنا هذه المركبة التي لا سائق لها. … وبكلمات الواثق إلى منزلي ! التزمت الصمت وعلى شفاهي الف سؤال؟؟
حاول إن يخرجني من حيرتي حين سارع بتوضيح أمر المركبة العجيبة ألتي لا سائق لها ، فأشار بإصبع يده إلى جهاز أمامه وبه كرت عليه صورة صديقي. ..لم احتج إلى كثير من الذكاء لأعرف انها بطاقة هوية. … نظرت إليه وكأني اساله ماهذا؟
وفي لحظات كادت شفتيه تلامس أذني وهو يتمتم، هذا الجهاز عندما أضع كرت الهوية بداخله فإنه يظهر للشركة عنواني وموقعه بالظبط عن طريق الأقمار الصناعية. ..ويتم حسم الأجرة من أي حساب به مال لي ووووو
قاطعته وكأن الأمر لايعنيني بالإشارة إلى شيئ ما في الطريق. ….
وصلنا إلى منزل صديقي أستقبلنا بحرارة من ذويه الذين كانوا في الإنتظار على باب المنزل. ..
أدخلت غرفة قيل أنها خصصة لي، وحين أقفلت بابها ..أعت شريط الرحلة وانا مازلت في هول الصدمة مما رأيت شعرت بالارق وبعض الآلام من حسرة مارأيت. ..
ألفاني صديقي بالباب حين هممت بالخروج، سألني إلى أين ؟ أخبرته بشعوري بتوعك واحتاج الذهاب إلى أقرب صيدلية، اخذ بيدي يجرني خلفه وهو يقول ساخذك إلى المستشفى، رفضت طبعا فلا أريد إرهاق الرجل وضياع يومه في المستشفى. …لكنه مازال أخذ بيدي حتى وصل إلى تابوت زجاجي في وسط المنزل، ثم التفت نحوي وقال نم هنا ودع الأطباء يعاينونك! !! لم انبث ببنت شفة. .
عاد لي كلامه ..ولكن هذه المرة بنبرة الواثق المعتز. … اسمع ياصديقي يمكن كلامي بالنسبة لك يكون شبيه للكذب، هذا مستشفى يوجد في بيت كل مواطن. ..تدخل الكبسولة التي امامك ثم يقوم الأطباء في المستشفى بفحصك وعمل الأشعة والتحاليل عبر الأقمار الصناعية. ….ثم يتم إرسال الدواء إلى هنا! !!
نظرت إليه وشيئ من الدمع في عيني وانا اقول بصوت خانع ، أريد العودة للبيت !
في اليوم التالي حاول صديقي أن يخفف عني هول الصدمات بالأمس حين عرض أحذي في جولة ترفيهية. .. رفضت العرض وكانت تعلو وجهي علامة غضب ممزوج بشيئ من التحسر. ..حاول أن يبرر لصدمتي لكنني قاطعته في حزم، انا لست غاضبا منك كونك تأخذ مني الف ريال كل شهر وبنيت به الخيال! أنا غاضب ومتحسر على نفسي التي كانت اضحوكة لكذبات صدقتها واستشربتها منذو ثلاثين عام! غضبت إذ غضبت على قومي الذين أخبروني بأنني أشبه في جمالي بدر التمام. ..واكتشفت عند أول مرآة نظرة لها بأنني أقبح من قرد البابون !
غضبت إذ غضبت عندما اكتشفت بأنني أدور في طاحونة، لم تطحن قط سوى الهواء. ..
غضبت إذ غضبت نيابة عن الملايين أمثالي من البلهاء. …الذين صدقوا وصفقوا لتلفزيون وصحافة لا يسكنها إلا المحرفين المتلاعبين بالطبل والمزمار. ….
خرجت في ثورة غضبي مسرعا مترجيا أن يلتقفني نسرا ذهبيا يعود بي إلى وطني، كما التقف من قبل إليس في بلاد العجائب. ..
لكنه لم يكن نسرا ذهبيا كما تمنيت بل مركبة تشقق عنها الضباب مسرعة في اتجاهي. ..
تعالت أصوات المارة حولي قبل أن تتلاشي رويدا رويدا في أسماعي وأظلم كل ما حولي وقرص الشمس في زواله كأنما يعرج بي في السماء ، وأحسست في النهاية بشيئ صلب أرتطمت به، قبل أن أفيق على كلمات لطالما عشقت سماعها. .. بابا. ..بابا …قوم دوام! !!!!

شاهد أيضاً

القِيَم في حياة أبنائنا

نوره العلي: ماهو أثر زرع معنى السلام والإحترام في نفوس أبنائنا ؟! أكثر مايشغل ذهن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

x
تطبيق اونلاين تهامة القنفذة
تهامة القنفذة
حمل التطبيق من المتجر الان

الآراء  بدعم المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع