الرئيسية / المقالات / التلميع الساطع

التلميع الساطع

محمد الزحيمي

منذ جلوسي على كرسي الصف الأول الابتدائي وأنا أسمع وأحفظ الكثير من الحكم والمقولات وعبارات التنميق .

ولم أعِ وقتها المعنى الحقيقي لهذه المقولات إلا بعد أن بلغت أشدي وفهمت بأن المقصود بها هو غير ما كانوا يحفظونا ولاكتشف بأنها مواد تلميع وتنظيف في مدرسة التلميع الساطع. ….

إنها عبارات تسويقية من آلاف العبارات والحكم التي يعج بها تاريخنا العربي وموروثنا الأدبي والفكري. ..

فقد تم توظيف هذه المفاهيم المقولبة بالحكمة والمكسوة بالخبرة لجعلنا قطعان ماشية عبر القرون. ..
غذّاها وسعّرَ لهيبها مجتمع يخشى ركوب الطائرة التي لم يركبها يوما. ..

حتى أصبح المسؤول كسلك الكهرباء المكشوف تحيطه أسلاك شائكة كتب عليها بكل اللغات … خطر …

العجيب في مجتمعنا أنه سلحفاة عرجاء في كل ما يخص التطوير … إلا أنه يتحول إلى غزال مذعور في سرعته عندما يتعلق الأمر بالتزلف والتقرب للمسؤول في طريقة برجماتية فاتت حتى على ميكافيلي في كتابه الأمير…

فتطور نص الحكمة ليواكب العولمة فظهرت طائفة من المستغربين المتزلفين وفي جعبتهم نصوص مسعودة من القرية العالمية الجديدة. ..
وما مقولة ( لا تنظر للجزء الفارغ من الكأس ) إلا مثالا لما وصلنا له من البغبغائية …
ففي حقيقة الأمر لا يوجد جزء فارغ من الكأس فهو يحتوي على مادتين متماثلتين تماما الماء والهواء … لكن هناك أناس تعودت أن لا تنظر إلا للقليل … مع أن جُلّ الكأس مملوء بهواء ربما كان ملوثًا ….
حتى مجتمعنا البدوي لم يخلُ من عبارات الخنوع الذي دأب يربينا عليها (كن ذر … تأكل سكر … ) دعوة صريحة للاستسلام والتملق والخنوع. ….

لدينا أزمة مفاهيم حقيقية نزولا من الأعلى إلى الأسفل
كل ذلك خلق جيلا متملقًا مبررا لكل شيئ والأخطر والأدهى أنه برز جيل تجاوز حدود الحكم والأمثال إلى التجرؤ على النصوص الشرعية وسير الأعلام في استماتتهم للدفاع عمن أحبوا وأرادوا …
مضحك مبكي ما وصل إليه حالنا … حين أنخنا كل النصوص لتلبية تملقنا لمسؤول هنا أو وزير هناك …
بل وصل الأمر ببعض الأخوة إلى التبرير الشرعي لجعلنا رعية من خراف صامتة لصغار المسؤولين …فيمموا وشرقوا وأقحموا السلف الصالح والتابع في وجوب التستر …كل ذلك تزلف للمسؤول وجهل بالنصوص ..
لا يفرقون بين أمر الخاصة والعامة…

لايعلمون بأن الله أذن لنا في كتابه بالجهر بالسوء في حالة الظلم (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا).

لم يقرؤوا سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قاطعه على الملأ سلمان الفارسي رضي الله عنه قائلا لاسمع لك ولا طاعة حتى تخبرنا عن الزيادة في ثوبك من أين لك؟ أم تراهم لو كانوا متواجدين لطلبوا من سلمان أن يذهب إلى عمر في بيته تجنبا للتشهير. ..
مصيبة كبيرة حين يستشهد بالنصوص وسير الصالحين من أجل التزلف وإلباس المسؤول الرموش المستعارة. …
مصيبة كبيرة عندما يحاول الجهلُ المركّب تقدم صفوف الفكر. ….

لماذا لايشتغل كل بما يجيده. ..أم هي طبيعتنا التي نحسب من خلالها أننا علماء في كل شيئ. ….لماذا لايشتغل المعلم بتطوير نفسه ومواكبة مستجدات مادته… والشاعر بشعره والكاتب بقلمه واللاعب بكرته والإمام بمسجده. …

فليس كل ما عوى ذئب. . .ولا كل من قرأ كُتيّب وجده في مساجد الطرقات بعالم فذ يحق له الاستدلال والاستشهاد بنصوص في غير مكانها. ….
كفى مساسا بجواهرنا النفيسة من نصوص وسير أعلام وصالحين بحثا عن الشهرة والتزلف. …
كفانا خيانة لأفكارنا ومبادئنا وما حملنا الله من أمور صغيرة كانت أو كبيرة. …
نعم خيانة ، فالمسؤول حين يقفل باب مكتبه على نفسه لأنه مرهق تعد خيانة..حين يعهد المسؤول بوظيفة أو منصب لقريب أو صديق فهي خيانة ففي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ((إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة)) ، قال: “كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ ” ، قال : ((إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)).

والطبيب حين يكمل استراحته وطفل يتألم خيانة لشرف مهنته … والكاتب والصحيفة حين تلمع المسؤول ليكرمه هي شحاتة وخيانة للقلم وحقه عظيمة… فتكريم المسؤول لعين المجتمع يعني رضاه عنها. ..ولن يرضى صغار المسؤولين إلا عن العين العمياء أو الرمدة…

شاهد أيضاً

الحيالة العملية وفائدتها البلية !

سامي أبودش: حفظ الله حكومتنا الرشيدة وأبقاها لنا ذخرا في سبيل ما تقدمه في كل …

2 تعليقان

  1. صحة يمينك وصح قلمك وفكرك

  2. المناهج بحاجة الى نقله نوعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

x
تطبيق اونلاين تهامة القنفذة
تهامة القنفذة
حمل التطبيق من المتجر الان

الآراء  بدعم المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع