الأربعاء , نوفمبر 13 2019
الرئيسية / المقالات / الأقنعة و المصارعة …

الأقنعة و المصارعة …

محمد الزحيمي
من منا لم ينم أمام التلفاز وهو ينتظر ذالك الصوت المميز للراحل براهيم الراشد ليلة من كل أسبوع لمشاهدة فقرة المصارعة الحرة في زمن اصطلح على تسميته زمن الطيبين. …
لم يكن يخطر ببالي وانا أشاهد (سنوكا )يطير من زاوية لأخرى، وهالك هوجن وهو يرمي بخصوصه واحد تلو الآخر من على الحلبة، بأن حياتنا الحقيقية هي حلبة مصارعة كبيرة بلا حبال وأن كل المتصارعين داخلها يلبسون الأقنعة في سعيهم للفوز بالحزام.
لقد أثرت فينا تلك الجرعات الأسبوعية أيما تأثير، فتحولنا إلى مصارعين كل حياتنا نزالات، نتخفى خلف أقنعة جميلة الشكل من المثالية والقيم والعبارات الرنانة، لايعيب اقنعتنا إلا أنها أكبر من وجيهنا فتسقط مع أول نسمة هواء. ..
حياتنا مصارعة ونزال في كل مكان في البيت في العمل في الشارع .
لا زمن لجولاتنا ولا حكام ولا نؤمن بالتعادل أما فوز أو انهزم …
لا وقت مستقطع لامكان للاستراحة لا نخلع اقنعتنا إلا حين ننام. ..
فالاب في مصارعة مع ابنه، حين ينصب نفسه العالم بالاقدار ليختار له منها مآ يشاء من الدراسة والملابس والكلية والسيارة والزوجة وحتى لون الحذاء،
كل ذلك والأب يضع قناع المثالية والعصامية يستبدله حينا بقناع من كتاب البؤساء وحينا باقتباسات من رواية الكذبة القاسية في رحلته للاستنساخ وإعادة تدوير نفسه للحياة مرة اخرى في جسد إبنه.
والمدير في مؤاسسته في صراع دائم مع موظفيه أيا كانت طبيعتها، فهو كالبستاني يتفقد حديقته كل يوم ليقص الفروع التي يرى أنها قد تتجاوز البنيان ، فالمدير هو نعمة الله التي أنعم بها على هذه المؤاسسة وهو الاعلم ببواطن الأمور وظاهرها، يتخفى خلف قناع التواضع والشورى، ويحمل في جيبه رقعة كتب فيها (ِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ َۚ)
والمجتمع بكل فئاته في صراع مع نفسه فترى مكوناته جميعا وقلوبهم شتى.
فاصحاب المال في صراع على فتات المستضعفين لا حدود لاطماعهم ولايمكن لبطونهم الواسعة أن تشبع، يستخفون خلف قناع القناعة والعصامية وما يرمونه من فتات موائدهم للجمعيات الخيرية، وبايديهم صكوك غفران من دار ندوتهم وزارة التجارة والغرف التجارية.
والدعاة انقسموا فرقا وجماعات في صراعهم، فريق يتصارع على الشهرة وعدد المتابعين في تويتر واستمالة الجماهير لمحاضراتهم بالتخبط في الفتاوى تارة، ومسايرة الركب تارة أخرى لأجل فلاشات إعلامية ، يتخفون خلف قناع( الدين يسر) وللمخطئ اجران. .
وفريقا جعل من نفسه متحفا لديه هو فقط ما صح من الشريعة الإسلامية ،
والوزارات في صراع مع المواطن أما لفقدان الرؤية لديها أو لغياب الرقابة عنها فكل يشرعن حسب فهمه الشخصي للمسؤلية ،يدرعون باقنعة من لوائح وأنظمة أثرية.
والمجتمعات المحلية قبائلها في صراع دائم نحو التميز والفوقية يقودهم في هذا الصراع الطبقي مترفيهم وكبرآهئم وحتى مثقفيهم والمنتسبين ظلما للشهادات العلمية، إذا قالوا يعجبك قولهم حين يصدحوا على الملاء ( ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ ). وتشمئز عندما تسمعهم يرددون حين تأخذهم العزة بالفوقية ماثبت عدم صحته (تخيروا لنطلفكم فإن العرق دساس ).
والمثقفون والكتاب في صراع محموم نحو رضا المسؤلين وأصحاب القرار، مطيتهم الحرص والوطنية، ونسوا بأن الوطنية لاتستقى من مرادفات إبن منظور أو الشيلات الجنوبية.
ومن حولنا حلبات نزال اوسع فالأمة الإسلامية في صراع سياسي وعقائدي والعربية في صراع زعامة ونفوذ، كل حزب بما لديهم فرحون، مندسين خلف القول العظيم ( …ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ُۚ) و يرددون دون حياء عبارات مل منها الراديو و التلفزيون عن مؤامرات الغرب الملاعين .
وستظل الحلبة تستعر والاقنعة تصنع والدماء تتناثر في نزالات تشبه صراعات براري أفريقيا لامكان فيها للعصافير. ..
وسيعرف بعد رحيل العمر كل البسطاء بأنهم كانوا يطاردون خيط دخان ، فحلمهم بالعدل والمساواة ليس له في هذا الزمان أرض….. أو وطن…. أو عنوان ….

شاهد أيضاً

القِيَم في حياة أبنائنا

نوره العلي: ماهو أثر زرع معنى السلام والإحترام في نفوس أبنائنا ؟! أكثر مايشغل ذهن …

3 تعليقات

  1. أبحرت بنا بين مدارك الجيلين ورحم الله الطيبين فعلا حياتنا في صراع ممل وجبروت لابنتهي من شرذمة لصوص المال إلى تهميش المثالية بإعتقادي بأن حلم العدل والمسواة لن يكون في أعتى قواميس الأمبراطوريات حيث أصبح فعلا بلا أرض أو وطن أو عنوان ..
    المؤلم حقا أننا الآن نصارع جهلا قضى على المثالية في مرافقنا الخدمية

  2. رائع ياابا ابراهيم

  3. مقال جدا رائع ويحاكي الواقع المؤلم للأسف

  4. مقال في الصميم ?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

x
تطبيق اونلاين تهامة القنفذة
تهامة القنفذة
حمل التطبيق من المتجر الان

الآراء  بدعم المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع