محمد الزيلعي
30-12-2007, 06:35 PM
فرج الله كان فتى أسمر فيه طلاوة وتكسوه حلاوة ويحب سماع فريد الاطرش ومشاهدة أفلام حسين صدقي
ملازمته لعمته الخمسينية وهو يسوق بها السيارة في شوارع الرياض او يسافر معها لمكة والطائف عودته على حياة الارستقراطية وآدابها وعاداتها وبذخها
عشت معه في الرياض القديمة صولات وجولات
ماكان يبخل علي بشيء
وأنا يا كثر ما غنيت له أغنيتي المفضلة وانا اتمايل متعمدة أن أشعل النار في قلبه المشتعل
يا يا دلع يا دلع دلع
وبالحلوين تطلع ..
روحي حبت روحك وقلبي فيك تولع ..
ويا كثر ما رقصت له ومنحته الرحيق المختوم بلا حساب ولا محاسبة
كان زمااان بسيط وجميل
أما بريك السعد فهو رجل لايعرف طلاوة ولاتكسوه حلاوه عرفته عندما انقلب الزمان وصارت الرياض غير الرياض .
كان الفرق بين فرج الله وبريك السعد كبيرا
لايوجد بينهما سوى قاسم مشترك واحد هو الولاء للشيوخ بطريقة أو بأخرى.
###################################
وكنت لبريك زوجة مسيار ورقم عشوائي في سلسلة حريمه
وبين الفتى الطائر والرجل المسمر إلى الأرض تبدلت اشياء عديدة
لكن بقي شيء واحد لايتغير
هو روح الطقاقة الخفيفة المتمردة بفطرتها التي تقاوم أي حزن أو ضياع بمزيد من الطق والطق
أركبني فرج الله سيارته الخاصة الفولكس واجن ذات اللون الارجواني الفاقع التي اشتراها قبل أشهر معدودة بعد 12 سنة من الخدمة المتواصل ليلها بنهارها لعمته وبناتها وعبداتها
وبدأ يمخر بي عباب شوارع الرياض في طريقنا للمربع.
كان فرج يدخن طول الطريق ليغالب قلقه وهو يوصيني بمايجب أن أفعله وأقوله لعمته..
العنود ستقيم حفل عرس لاحدى بناتها وطلبت أن تراني وتتأكد من خبرتي شخصيا فلم تكتفي بالمديح الكثير الذي سمعته من فتى عمري الطائر
نجحت في الاختبار ولم أخرج منها إلا وراسي دايخ من أجواء القصر الباذخ بحدائقه ونوافيره ومن كثرة التعليمات والتوجيهات الموجهة لي وعن طريقي لباقي بنات الفرقة.
نبي أغاني سميرة توفيق وهيام يونس
احفظوا اغنية محمد عبدو الجديدة ماهقيت إن البراقع يفتنني
البسوا كلكم جرسيه أحمر مو كل وحده تلبس شكل
وتبودروا .. مانبي ديرمان وما ديرمان
من سبع ونص تكونون جاهزين بطيرانكم
توالت التعليمات وانا ارد بعبارة وحده حفظني اياها فرج في السيارة:
ان شاء الله عمتي .. تامرين يا عمتي
في طريق العودة كان فرج يهنئي بدخولي لمملكة السعد والهناء
ويعدني بأن الخير من الآن سيغطيني حتى عظام جدي الخامس عشر
أوقف السيارة أمام بيتنا في حي السبالة .. وإذا بالشايب راجع من صلاة العصر يتلمس الطريق بعصاه
خطف فرج مني قبلة سريعة طبعها فوق الشيلة الشيفون الشفافة وهو يكتم صوته وأنفاسه عن أبي ثم نزل من السيارة:
هاااه يا عم تراي رجعت الامانة كاملة مانقص منها يد ولا رجل
ضحك أبي ببراءة ذاك الزمان حتى بانت لثته التي تساقطت كل أسنانها
عندما دخلت بيتنا شعرت بالفارق يخنقني ..
الفاصل كان مئة سنة .. بل ألف سنة .. بين جنة المربع وطين السبالة
كادت خيالات القصر أن تطيّر عقلي
تمددت على فراشي وأنا استرجع مادار في الساعة الماضية
حبيبي فرج الله يحب لي الخير ويريدني أن أصبح أشهر طقاقة في الرياض
يريدني أن أحرق المراحل وأقفز مرة واحدة من الطبقة المسحوقة إلى طبقة النبلاء
يريدني أن أصير نجمة متألقة ..
طقاقة برجوازية تملك المال والنفوذ في عالم الرياض السفلي المليء بالضعفاء والخدم والخويا حيث يبدأ التاريخ من الطار وينتهي بالزار
وهذا لايمكن أن يحدث إذا كنت خطواتي لاتترك السبالة إلا لها أو حولها
كان يجب أن تمتد خطوتي لخارج السبالة بشوارعها الضيقة ودكاكينها الصغيرة وحفرها وغبارها وأوحالها
كان يجب أن تمتد خطوتي لذلك العالم الناعم والدنيا الرغيدة .
إلى المربع حيث القصور والرياش والنوافير والموائد والسيارات والوجوه النظيفة جدا واللهجة النجدية المتعالية
اجتهدت خلال الأسبوعين المتبقين على الزواج في التحضير وتدريب البنات.
عملنا (بروفة) تلو الأخرى لأغاني هيام وسميرة توفيق ومحمد عبدو
كنت أدرب البنات بتوجيات فرج كيف يمشين ويجلسن ويلقين السلام ويضحكن حيث كل شيء محسوب بدقة متناهية في وسط عالم لا ننتمي له ولا ينتمي لنا
اشتريت طاقة قماش جيرسيه من سويقه وشيال جديده وجزم ذات كعوب دقيقة تشبه الدبابيس
عملت كل شيء في طاقتي حتى أنجح في الليلة الموعودة وينتشر صيتي في الرياض كلها خاصة بين نساء القصور
وحين لم يتبق على الحفل سوى ليلتين مر بي فرج وطرق الباب ثلاث طرقات كعادته.
فتحت وأنا أسوي شيلتي على رأسي.
كنت سعيدة ومستثارة جدا لقرب حلول الموعد. ولكن صدمني وجهه المتجهم وعينيه المنكسرتين.
قال : خلاص يا شادية يا عيوني ماعد فيه عرس !
كدت أقع على الارض من هول الصدمة.
كيف لم يعد هناك عرس. لقد اعتذرت عن ثلاثة أعراس وضحيت بما كنت سأجنيه منها بسبب انشغالي بالتحضير لعرس بنت الشيوخ.
قلت بيأس:
اش بلاهم ..
رد وهو يعطيني ظهره :
بلاهم اللي بلاهم ..عمتي هونت عنك، جابت فرقة مصرية أو مدري حجازية معهم رقاصات ..
شعرت وكأن جردلا من الماء البارد سكب على رأسي حتى أفقدني الكلام
انكسر قلبي وتهشم
وتبخرت أحلامي مثل سحاب الصيف
لكن الذي أوجعني أكثر من أي شيء آخر كان شعوري بالمهانة والضعة
شعرت بأنني مجروحة في عمق كرامتي
ضج الغضب المكتوم في داخلي ولم أتمكن من النوم في تلك الليلة
في الصباح الباكر كانت الفكرة قد اختمرت تماما في ذهني
خرجت من البيت وأخذت سيارة تاكسي صفراء مهترئة محتملة فضول سائقها البدوي ونظراته المزعجة
أخذني للمربع
لم أكن أعرف طريق القصر بشكل دقيق فاستغرقنا ساعة وأنا أخرجه من شارع لآخر وهو يتهكم علي:
تبين قصور الشيوخ ..!
وما أن رأيت النخيل المتطاول من خلف الأسوار العالية وذاك الشجر الباسق حتى عرفت بأنني بلغت مرادي.
دخلت من البوابة الكبيرة المشرعة بدون أن يستوقفني أحد.
قطعت المدخل الطويل جدا ثم فجأة وجدت نفسي أمام رجل أسود طويل سألني بخشونة عن من أكون وكيف دخلت وماذا أفعل في حديقة القصر في هذه الساعة المبكرة من الصباح.
قلت له باستعطاف: أنا شادية من طرف فرج الله. قل كذا لعمتك العنود وهي تعرفني.
ما ان انتهيت من جملتي حتى قهقه الرجل الأسود بصوت عال جدا واهتزت كرشه مع أكتافه من شده انفعاله.
عندما تمالك نفسه قال مستهزئا:
لا يا شيخة.. أقول لعمتي وهي تعرف .. أقول : اذلفي هالساعة لا والله تكرهين ساعة جيتي فيها للدنيا.
صحت فيه :
وإن قلت لك لا .. منيب ذالفة .
كنت في الواقع خائفة ومرعوبة من هذا الشبح الأسود الطويل ولكن أحاول أن أحتمي بجدار هش وضعيف وهو أني فتاة وبالتالي لن يجرؤ على لمسي أو حملي وقذفي في الشارع.
في هذه اللحظة بالذات انفتح باب القصر الداخلي وأطلت منه شابة نحيلة لتقول للشبح:
جرس ..وش فيه ؟
وقبل أن ينبس هذا الجرس ببنت شفه أسرعت بخطاي متوجهة لها .
وحين صرت أمامها عرفت أنها مضاوي التي على وشك الزواج: بادرتها بظلال ابتسامة على شفتي:
عمتي أنا شادية .. الطقاقة اللي جيبت مع فرج الله .. ماعرفتيني ؟!
قالت بسرعة وكأنها تقابلني للمرة الأولى: نعم .. وش تبين بالضبط ..
قلت لها في عبارات لاهثة ومتلاحقة حجم العناء الذي لقيته في الاعداد للعرس ..
وعن حلمي الذي صحبني لأسابيع بأن احيي الحفل ..
قلت خصصوا لي ساعة وحدة فقط من العرس لكن لاتحطموا مرة واحدة هذا الحلم. ومتأكدة سأبيض وجوهكم
حين سكت أنتظر ماتقوله، وجدتها توجه الكلام لشبحها الأسود وهي تغلق بابها مختفيه في عالمها:
جرس .. شف شغلك !
أسرع الشبح نحوي وهو يشدني من عباءتي ويسرع بي.
تعثرت أكثر من مرة وأنا أسبه وأشتمه، وهو يبادلني الشتائم.
قذف بي على الرصيف وهو يلعن السوقة من أبناء وبنات الشوارع.
وفي غمرة نحيبي سمعت صرير البوابة الكبيرة وهو يغلق
مشيت على غير هدى في الشوارع القريبة من القصر
أكفكف دموعي وألعن ضعفي وبؤسي
كرهت في هذه اللحظة نفسي وكرهت فرج الذي عرضني لهذا الهوان
واصلت المشي بلاهدف .. السيارات تمر بقربي وبعض سائقيها يرمونني بكلمات غزل عفيفة أو خادشة.
لكني لا اسمع إلا شتائم (العبد) وقهقهاته المتشفية.
تمنيت في هذه اللحظة لو أن زلزلا يضرب الرياض ويخفيها كلها ويبلع مقدسها ومدنسها ورجالها ونسائها
وأغنيائها وفقرائها .
تمنيت لو سوي المربع بالأرض وقبله منفوحة والسبالة والعطايف
توسطت الشمس في السماء وقدماي تحملاني حيث لا أحد ولا هدف سوى التراب و الهواء السموم ..
وحين جفت دموعي وبالكاد صرت قادرة على المشي أوقفت سيارة تاكسي وقلت وأنا أرتمي على مقعدها:
ودني للسبالة ..
وجدت الشايب ينتظرني على العتبة متلفعا بعباءته
تنهدت وأنا أقبل رأسه ويديه
كان يراني بقلبه وقد انظفئت عينيه، لذا سألني:
وش فيك يا شديّن ؟
غسل سؤاله قلبي، فقلت وأنا آخذ بيده وأدخله البيت:
مافيه شيء .. مير ميلة البخت يا بييّ
حكيت له ماحدث بدون أن آتي على سيرة (العبد) وصنيعه معي.
قال وهو يرشف قهوته ويعاتبني على ذهابي إلى هناك:
وأنا أبوك .. عنز الشيوخ نطّاحة.
في الحادية عشرة ليلا طرق فرج الباب طرقاته الثلاث الخفيفة.
فتحت له بهدوء حتى لايستيقظ والدي، بينما رائحة عطره الليموني تسبقه:
ابتسم وهمّ بالدخول لكني أبقيت يدي على الباب نصف المفتوح ..
كنت غاضبة ومتحرقة للانفجار في وجهه بسبب مالحقني في الصباح من مهانة.
قلت له مباشرة وهو لايجد لفعلي أي تفسير:
هات اللي معك ..
ناولني كيس الورق فأخرجت منه قارورة العرق وقذفت مافيها على وجهه ..
وقبل أن يتمالك نفسه أو يمسح وجهه المبلول قلت وأنا أقفل الباب
:
رح لعمتك يا بو عمة ولا توريني وجهك ثانية
( وإلى حلقات قادمة من القصة أتمنى لكم أوقاتآ سعيدة )
ملازمته لعمته الخمسينية وهو يسوق بها السيارة في شوارع الرياض او يسافر معها لمكة والطائف عودته على حياة الارستقراطية وآدابها وعاداتها وبذخها
عشت معه في الرياض القديمة صولات وجولات
ماكان يبخل علي بشيء
وأنا يا كثر ما غنيت له أغنيتي المفضلة وانا اتمايل متعمدة أن أشعل النار في قلبه المشتعل
يا يا دلع يا دلع دلع
وبالحلوين تطلع ..
روحي حبت روحك وقلبي فيك تولع ..
ويا كثر ما رقصت له ومنحته الرحيق المختوم بلا حساب ولا محاسبة
كان زمااان بسيط وجميل
أما بريك السعد فهو رجل لايعرف طلاوة ولاتكسوه حلاوه عرفته عندما انقلب الزمان وصارت الرياض غير الرياض .
كان الفرق بين فرج الله وبريك السعد كبيرا
لايوجد بينهما سوى قاسم مشترك واحد هو الولاء للشيوخ بطريقة أو بأخرى.
###################################
وكنت لبريك زوجة مسيار ورقم عشوائي في سلسلة حريمه
وبين الفتى الطائر والرجل المسمر إلى الأرض تبدلت اشياء عديدة
لكن بقي شيء واحد لايتغير
هو روح الطقاقة الخفيفة المتمردة بفطرتها التي تقاوم أي حزن أو ضياع بمزيد من الطق والطق
أركبني فرج الله سيارته الخاصة الفولكس واجن ذات اللون الارجواني الفاقع التي اشتراها قبل أشهر معدودة بعد 12 سنة من الخدمة المتواصل ليلها بنهارها لعمته وبناتها وعبداتها
وبدأ يمخر بي عباب شوارع الرياض في طريقنا للمربع.
كان فرج يدخن طول الطريق ليغالب قلقه وهو يوصيني بمايجب أن أفعله وأقوله لعمته..
العنود ستقيم حفل عرس لاحدى بناتها وطلبت أن تراني وتتأكد من خبرتي شخصيا فلم تكتفي بالمديح الكثير الذي سمعته من فتى عمري الطائر
نجحت في الاختبار ولم أخرج منها إلا وراسي دايخ من أجواء القصر الباذخ بحدائقه ونوافيره ومن كثرة التعليمات والتوجيهات الموجهة لي وعن طريقي لباقي بنات الفرقة.
نبي أغاني سميرة توفيق وهيام يونس
احفظوا اغنية محمد عبدو الجديدة ماهقيت إن البراقع يفتنني
البسوا كلكم جرسيه أحمر مو كل وحده تلبس شكل
وتبودروا .. مانبي ديرمان وما ديرمان
من سبع ونص تكونون جاهزين بطيرانكم
توالت التعليمات وانا ارد بعبارة وحده حفظني اياها فرج في السيارة:
ان شاء الله عمتي .. تامرين يا عمتي
في طريق العودة كان فرج يهنئي بدخولي لمملكة السعد والهناء
ويعدني بأن الخير من الآن سيغطيني حتى عظام جدي الخامس عشر
أوقف السيارة أمام بيتنا في حي السبالة .. وإذا بالشايب راجع من صلاة العصر يتلمس الطريق بعصاه
خطف فرج مني قبلة سريعة طبعها فوق الشيلة الشيفون الشفافة وهو يكتم صوته وأنفاسه عن أبي ثم نزل من السيارة:
هاااه يا عم تراي رجعت الامانة كاملة مانقص منها يد ولا رجل
ضحك أبي ببراءة ذاك الزمان حتى بانت لثته التي تساقطت كل أسنانها
عندما دخلت بيتنا شعرت بالفارق يخنقني ..
الفاصل كان مئة سنة .. بل ألف سنة .. بين جنة المربع وطين السبالة
كادت خيالات القصر أن تطيّر عقلي
تمددت على فراشي وأنا استرجع مادار في الساعة الماضية
حبيبي فرج الله يحب لي الخير ويريدني أن أصبح أشهر طقاقة في الرياض
يريدني أن أحرق المراحل وأقفز مرة واحدة من الطبقة المسحوقة إلى طبقة النبلاء
يريدني أن أصير نجمة متألقة ..
طقاقة برجوازية تملك المال والنفوذ في عالم الرياض السفلي المليء بالضعفاء والخدم والخويا حيث يبدأ التاريخ من الطار وينتهي بالزار
وهذا لايمكن أن يحدث إذا كنت خطواتي لاتترك السبالة إلا لها أو حولها
كان يجب أن تمتد خطوتي لخارج السبالة بشوارعها الضيقة ودكاكينها الصغيرة وحفرها وغبارها وأوحالها
كان يجب أن تمتد خطوتي لذلك العالم الناعم والدنيا الرغيدة .
إلى المربع حيث القصور والرياش والنوافير والموائد والسيارات والوجوه النظيفة جدا واللهجة النجدية المتعالية
اجتهدت خلال الأسبوعين المتبقين على الزواج في التحضير وتدريب البنات.
عملنا (بروفة) تلو الأخرى لأغاني هيام وسميرة توفيق ومحمد عبدو
كنت أدرب البنات بتوجيات فرج كيف يمشين ويجلسن ويلقين السلام ويضحكن حيث كل شيء محسوب بدقة متناهية في وسط عالم لا ننتمي له ولا ينتمي لنا
اشتريت طاقة قماش جيرسيه من سويقه وشيال جديده وجزم ذات كعوب دقيقة تشبه الدبابيس
عملت كل شيء في طاقتي حتى أنجح في الليلة الموعودة وينتشر صيتي في الرياض كلها خاصة بين نساء القصور
وحين لم يتبق على الحفل سوى ليلتين مر بي فرج وطرق الباب ثلاث طرقات كعادته.
فتحت وأنا أسوي شيلتي على رأسي.
كنت سعيدة ومستثارة جدا لقرب حلول الموعد. ولكن صدمني وجهه المتجهم وعينيه المنكسرتين.
قال : خلاص يا شادية يا عيوني ماعد فيه عرس !
كدت أقع على الارض من هول الصدمة.
كيف لم يعد هناك عرس. لقد اعتذرت عن ثلاثة أعراس وضحيت بما كنت سأجنيه منها بسبب انشغالي بالتحضير لعرس بنت الشيوخ.
قلت بيأس:
اش بلاهم ..
رد وهو يعطيني ظهره :
بلاهم اللي بلاهم ..عمتي هونت عنك، جابت فرقة مصرية أو مدري حجازية معهم رقاصات ..
شعرت وكأن جردلا من الماء البارد سكب على رأسي حتى أفقدني الكلام
انكسر قلبي وتهشم
وتبخرت أحلامي مثل سحاب الصيف
لكن الذي أوجعني أكثر من أي شيء آخر كان شعوري بالمهانة والضعة
شعرت بأنني مجروحة في عمق كرامتي
ضج الغضب المكتوم في داخلي ولم أتمكن من النوم في تلك الليلة
في الصباح الباكر كانت الفكرة قد اختمرت تماما في ذهني
خرجت من البيت وأخذت سيارة تاكسي صفراء مهترئة محتملة فضول سائقها البدوي ونظراته المزعجة
أخذني للمربع
لم أكن أعرف طريق القصر بشكل دقيق فاستغرقنا ساعة وأنا أخرجه من شارع لآخر وهو يتهكم علي:
تبين قصور الشيوخ ..!
وما أن رأيت النخيل المتطاول من خلف الأسوار العالية وذاك الشجر الباسق حتى عرفت بأنني بلغت مرادي.
دخلت من البوابة الكبيرة المشرعة بدون أن يستوقفني أحد.
قطعت المدخل الطويل جدا ثم فجأة وجدت نفسي أمام رجل أسود طويل سألني بخشونة عن من أكون وكيف دخلت وماذا أفعل في حديقة القصر في هذه الساعة المبكرة من الصباح.
قلت له باستعطاف: أنا شادية من طرف فرج الله. قل كذا لعمتك العنود وهي تعرفني.
ما ان انتهيت من جملتي حتى قهقه الرجل الأسود بصوت عال جدا واهتزت كرشه مع أكتافه من شده انفعاله.
عندما تمالك نفسه قال مستهزئا:
لا يا شيخة.. أقول لعمتي وهي تعرف .. أقول : اذلفي هالساعة لا والله تكرهين ساعة جيتي فيها للدنيا.
صحت فيه :
وإن قلت لك لا .. منيب ذالفة .
كنت في الواقع خائفة ومرعوبة من هذا الشبح الأسود الطويل ولكن أحاول أن أحتمي بجدار هش وضعيف وهو أني فتاة وبالتالي لن يجرؤ على لمسي أو حملي وقذفي في الشارع.
في هذه اللحظة بالذات انفتح باب القصر الداخلي وأطلت منه شابة نحيلة لتقول للشبح:
جرس ..وش فيه ؟
وقبل أن ينبس هذا الجرس ببنت شفه أسرعت بخطاي متوجهة لها .
وحين صرت أمامها عرفت أنها مضاوي التي على وشك الزواج: بادرتها بظلال ابتسامة على شفتي:
عمتي أنا شادية .. الطقاقة اللي جيبت مع فرج الله .. ماعرفتيني ؟!
قالت بسرعة وكأنها تقابلني للمرة الأولى: نعم .. وش تبين بالضبط ..
قلت لها في عبارات لاهثة ومتلاحقة حجم العناء الذي لقيته في الاعداد للعرس ..
وعن حلمي الذي صحبني لأسابيع بأن احيي الحفل ..
قلت خصصوا لي ساعة وحدة فقط من العرس لكن لاتحطموا مرة واحدة هذا الحلم. ومتأكدة سأبيض وجوهكم
حين سكت أنتظر ماتقوله، وجدتها توجه الكلام لشبحها الأسود وهي تغلق بابها مختفيه في عالمها:
جرس .. شف شغلك !
أسرع الشبح نحوي وهو يشدني من عباءتي ويسرع بي.
تعثرت أكثر من مرة وأنا أسبه وأشتمه، وهو يبادلني الشتائم.
قذف بي على الرصيف وهو يلعن السوقة من أبناء وبنات الشوارع.
وفي غمرة نحيبي سمعت صرير البوابة الكبيرة وهو يغلق
مشيت على غير هدى في الشوارع القريبة من القصر
أكفكف دموعي وألعن ضعفي وبؤسي
كرهت في هذه اللحظة نفسي وكرهت فرج الذي عرضني لهذا الهوان
واصلت المشي بلاهدف .. السيارات تمر بقربي وبعض سائقيها يرمونني بكلمات غزل عفيفة أو خادشة.
لكني لا اسمع إلا شتائم (العبد) وقهقهاته المتشفية.
تمنيت في هذه اللحظة لو أن زلزلا يضرب الرياض ويخفيها كلها ويبلع مقدسها ومدنسها ورجالها ونسائها
وأغنيائها وفقرائها .
تمنيت لو سوي المربع بالأرض وقبله منفوحة والسبالة والعطايف
توسطت الشمس في السماء وقدماي تحملاني حيث لا أحد ولا هدف سوى التراب و الهواء السموم ..
وحين جفت دموعي وبالكاد صرت قادرة على المشي أوقفت سيارة تاكسي وقلت وأنا أرتمي على مقعدها:
ودني للسبالة ..
وجدت الشايب ينتظرني على العتبة متلفعا بعباءته
تنهدت وأنا أقبل رأسه ويديه
كان يراني بقلبه وقد انظفئت عينيه، لذا سألني:
وش فيك يا شديّن ؟
غسل سؤاله قلبي، فقلت وأنا آخذ بيده وأدخله البيت:
مافيه شيء .. مير ميلة البخت يا بييّ
حكيت له ماحدث بدون أن آتي على سيرة (العبد) وصنيعه معي.
قال وهو يرشف قهوته ويعاتبني على ذهابي إلى هناك:
وأنا أبوك .. عنز الشيوخ نطّاحة.
في الحادية عشرة ليلا طرق فرج الباب طرقاته الثلاث الخفيفة.
فتحت له بهدوء حتى لايستيقظ والدي، بينما رائحة عطره الليموني تسبقه:
ابتسم وهمّ بالدخول لكني أبقيت يدي على الباب نصف المفتوح ..
كنت غاضبة ومتحرقة للانفجار في وجهه بسبب مالحقني في الصباح من مهانة.
قلت له مباشرة وهو لايجد لفعلي أي تفسير:
هات اللي معك ..
ناولني كيس الورق فأخرجت منه قارورة العرق وقذفت مافيها على وجهه ..
وقبل أن يتمالك نفسه أو يمسح وجهه المبلول قلت وأنا أقفل الباب
:
رح لعمتك يا بو عمة ولا توريني وجهك ثانية
( وإلى حلقات قادمة من القصة أتمنى لكم أوقاتآ سعيدة )